ردا على مقال المفكر العربى علي محمد الشرفاء .. أمين لجنة الفتوى بدار الإفتاء: قراءة القرآن والتفكر فى آياته عبادة.. والعمل بمقتضى أحكامه واجب….

الموريتاني : قال الدكتور أحمد ممدوح أمين لجنة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، ردا على مقال ” القرآن الكريم لإنقاذ الأمة.. هل يفيق المسلمون ويهتدون به أم يواصلون هجره” للمفكر العربى علي محمد الشرفاء الحمادي، أن من اثار هجر القرآن الكريم كثرة الهم والحزن في الحياة، مؤكدا أن من فقد نور القرآن لن يتمكن من الوقوف في وجه هموم الحياة، وإظلام النفس، ووحشة القلب، حيث يشعر المسلم الهاجر لكتاب الله بظلمة في نفسه، تنعكس على سلوكه اليومي، وعلى مزاجه العام، وقلة بركة الرزق، فيشعر أن الرزق رغم وفرته باستمرار لا بركة فيه أبدا، وأنه لا يكفى حتى معاشه اليومي، ونفور في العلاقات الاجتماعية واضطراب النفس، والشعور بالتوتر .
وأضاف أمين لجنة الفتوى بدار الإفتاء، إن القرآن الكريم نور رب العالمين، ورحمته المهداة للعالمين، وقراءته والتفكر في آياته عبادة، والعمل بمقتضى أحكامه واجب، وللمسلم عهد مع القرآن الكريم ينبغي أن يكون، فيغترف من فيض هداه يوميا، فهو الطاقة المتجددة ، مشيرا إلى أن من حسن بر المسلم بكتاب ربه تجديد عهده معه بشكل يومي، فلا يكون له هاجرا ولا لأحكامه معطلا ،مشيرًا إلى قوله تعالى: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ» [ص:29]، وقوله تعالى: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» [محمد:24].
وأكد ممدوح، أنه من بين أهم خصائص القرآن أنه صالح لكل زمان ومكان، فقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَاب اللهِ”. وهذا أبرز دليل على أن قضايا القرآن هي بمثابة دليل لكل مسلم ومسلمة في مواجهة وتدبير القضايا المعاصرة، ذلك أن قضايا القرآن مهما كانت القضايا المعاصرة التي تحيط بها، إلا أن مكانتها المرموقة تجعلها دائما قابلة للربط بأي نوع من القضايا المعاصرة .
وتابع أن التعلق بكتاب الله يحقق السعادة في الدنيا والأخرة ورضا الله تعالى لدخول الجنة والشعور بالطمأنينة والراحة النفسية من خلال التقرب إليه، لافتا الى أن التقرب إلى الله تعالى له عدة أشكال منها العبادات والطاعات، وإقامة الصلاة والذكر الدائم لله تعالى، وإخراج الصدقة والزكاة للفقراء والمحتاجين، وصيام رمضان وقيام الليل، والتوبة، والاستغفار من الذنوب والمعاصي.
وإلى نص مقال المفكر العربى علي محمد الشرفاء “القرآن الكريم لإنقاذ الأمة.. هل يفيق المسلمون ويهتدون به أم يواصلون هجره”:
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة طه: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(138) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (139) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (140) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(141)) (طه).
توضح الآية الكريمة أن هدى الله هو القرآن، كما أنه الحل السريع لإنقاذ الأمة، بعدما أعرض الإنسان عن تلاوته والتدبر في آياته ومعرفة مراد الله فيها من خير وصلاح لعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وليعيشوا سعداء آمنين في الحياة الدنيا ويأمنوا الحساب في الآخرة، تحكمهم التشريعات الإلهية، التي تدعو للرحمة والعدل والسلام بين جميع خلقه مِن بني الإنسان، متبعين قيم القرآن والفضائل الإنسانية من عدم الظلم، واحترام حقوق الإنسان التي شرعها الله في كتابه المبين وعدم أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم قتل النفس التي حرّم الله، ومَدْ يَدِ المساعدة للفقراء والمساكين، ونشر التعاطف بين الناس، وإسعاف المرضى وإغاثة الملهوف، وكثير من الأخلاقيات السامية التي يدعو القرآن الناس للتمسك بها سلوكًا وعملًا صالحًا لبناء مجتمع السلام دون حقد أو غِلٍ أو حسد أو عداوة أو بغضاء.
مجتمع لا يوجد فيه بائس ولا فقير، ولا جبار فيه ولا حقير، كلهم إخوة في الإنسانية، ربهم واحد وخالقهم واحد وكتابهم واحد -القرآن الكريم- وإمامهم واحد (الرسول الأمين)، وحسابهم يوم القيامة عنده، لن يفرِّق بين غني وفقير، ولا نبي ولا سلطان، ولا جبار وضعيف. فالجميع يقفون بكل الذل والخشوع أمام رب الناس وخالق الكون لا يمتلكون شيئًا من أمرهم.
حيث يصور للناس رب العالمين، ذلك الموقف الرهيب بقوله: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (الزمر: 69).
ويضع أمامهم خارطة طريق لتهديهم الطريق المستقيم لا يضلون فيه ولا يخدعون، وحين تقوم الساعة يوم الحساب فهم آمنون حيث يخاطب الله الناس بقوله سبحانه: (الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة: 1-5)….
وقوله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء:9).
وقال سبحانه في وصف القرآن: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ).
وقال تعالى: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ).
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).
وكثير من الآيات الكريمة التي تصف القرآن بالهدى وتحذر الذين يكتمون ما أنزله الله على رسوله من الآيات البينات ليصرفونهم عن الكتاب والذكر الحكيم.
فالمسلمون في موقف الاتهام بهجرهم القرآن، وشهادة الله بأن الرسول عليه السلام يشتكيهم لله بأنهم هجروا القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرن وخمسون عام، وذلك يعني بأنهم إنصرفوا عن شريعة الإسلام وسوف يكون حسابهم يوم القيامة حساب الذين تخلوا عن دينهم ولن يحتسبهم الله من الذين اتبعوا الرسول عليه السلام.
وقد شهد الله لرسوله بقوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30).
المرجع الوحيد للتشريع
ومن أجل حماية الأجيال القادمة من التهمة الخطيرة وما سينتج عنها انصراف المسلمين عن الكتاب المبين يوم الحساب، ومن أجل تصويب الموقف الديني لهم وتحصينهم من العقاب لانصرافهم عن شريعة القرآن، يتطلب الأمر سريعاً أن يعتمد المسلمون آيات الذكر الحكيم المرجع الوحيد للتشريع واستنباط خارطة الطريق المستقيم لحياتهم الحاضرة ولمن يأتي بعدهم في المستقبل في كل ما يتعلق بتشريع العبادات والمحرمات والنواهي، واتباع المنهاج الإلهي الذي آمن به الرسول وطبقه قولاً وعملاً ليصبح أسوة وقدوة ومثلًا أعلى للمسلمين في اتباع القرآن الكريم.
لذلك أصبح لزاماً الاعتماد على القرآن الكريم طاعة لأمر الله وتحصيناً للأجيال القادمة، حتى لا يواجهوا موقفاً مباغتاً يسبب لهم الخسران يوم الحساب ويفشلوا في إجابة أسئلة الإمتحان أمام الديان، لأنهم لم يدركوا خطورة هجرهم القرآن واتباع آيات الرحمن، وستضيع أعمالهم سدى.
وتحسباً استباقياً للمواجهة يوم الحساب، ومن أجل إزالة التهمة الخطيرة التي اتهم بها الرسول المسلمين بهجرهم القرآن الكريم، لابد من تطوع عدد من المتعلمين والمتخصصين في اللغة العربية والقانون والمثقفين وعلماء الإجتماع وعلماء النفس لإعداد منهج إسلامي للناس، يتضمن شريعة الله ومنهاجه ليكون بداية لإزالة التهمة عن المسلمين وحمايتهم مما يتهددهم من محاسبتهم يوم الدين، وتلبية لأمر الله بطاعة الرسول فيما يبلغهم من آيات القرآن الكريم، لكي يكونوا في مأمن يوم القيامة ولا يكونوا من الخاسرين، ليستنبطوا من الذكر الحكيم تشريعاتهم لحياتهم ولآخرتهم.
فالقرآن اكتملت رسالته وتمت كلمة الله للمؤمنين وتضمن القرآن كل شيء، كما قال الله سبحانه: (…مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الأنعام: 38) من المعرفة، لمختلف حركة الكون، والحياة، وحتى مشاهد يوم القيامة.
كل ذلك لتكون على الناس حجة الله بأنه سبحانه كلف رسوله عليه السلام بدعوة الناس إلى الدخول في الإسلام، وبيَن لهم مقاصد آياته لما يحقق للإنسان الحياة الطيبة ويحميه من النفس الأمارة بالسوء، وما تسببه له من شقاء وبؤس وضنك ومعاناة في حياته، وما ينتج عنها من حساب وعقاب يوم القيامة، فالله يريد لعباده كل الخير ويتبعوا كتابه ليجازيهم جنات النعيم بدلًا من نار الجحيم بعدما خسروا الدنيا والآخرة….